إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
إن أعظم الحقوق على المسلم هو حق الله على العباد لغفلة كثير من المسلمين عن معرفة ما يتصل بذات ربهم العلي العظيم ، بما فيهم العامة (أشباه المتعلمين والجهلة) والخاصة (الجامعيين – متوسطي التعليم) لدرجة أن قد يصادفك شخص يقول لك الله في قلبي وآخر يقول الله في كل مكان...!!! فلا يجوز ذكر اسم الله في الخلاء(المرحاض) فكيف يكون في كل مكان؟!! هذا سوء أدب مع الله والعياذ بالله ، و سبحان الله لمن يقول هذا الباطل فحقاً كما قال ربنا: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ – الروم: 7 .
فقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيه: أكثر الناس ليس لهم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها ، فهم حُذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها ، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة ، كأن أحدهم مُغَفّل لا ذهن له ولا فكرة. ونسى هؤلاء أن الله تعالى قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى- طه: 5 ، أي: ارتفع عليه وعلا وهو استواء حقيقي معناه: العلو والإستقرار على وجه يليق بالله سبحانه وتعالى ، قال الإمام مالك: الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة.
اولاً: معـــرفة الله
أنواع معرفة العبد لربه:
المعرفة العامة: هى الإقرار بالله والتصديق والإيمان به سبحانه ، وهذه عامة للمؤمنين.
المعرفة الخاصة: هى ميل القلب إلى الله بالكلية والإنقطاع إليه والأنس به ، والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له.
المعرفة العملية: هى معرفة ذاته سبحانه وتعالى عن طريق أسمائه وصفاته.
إن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه كثيراً في القرآن الكريم ، والأدلة القرآنية موجودة في القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره ، وإليكم بعضها:
- هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون – 22-23: الحشر
- هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم – 24: الحشر
- قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كُــفُــواً أحد – الإخلاص
- الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنةٌ ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم و لايحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئودُهُ حِفظهما وهو العلي العظيم – 255: البقرة
أما من الأدلة النبوية الشريفة عن وصف الله سبحانه وتعالى:
من حديث أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يَخفِض القِسط ويرفعه ، يُرفعُ إليه عملُ الليل قبل عمل النهار ، وعملُ النهار قبل عمل الليل ، حِـجَـابُهُ النورُ – رواه مسلم.
ثانياً: توحــيد الله
أولاً يجب أن تعرف وتؤمن بإنه لا إله إلا الله وأيضاً يلزمك معرفة كيفية توحيد الله؟ ومعنى التوحيد؟...فهيا معاً نتعرف على التوحيد بيسر إن شاء الله...اللهم حببنا في كل عمل يقربنا إليك...آمييين
ينقسم توحيد الله عز وجل إلى ثلاثة أقسام:
توحيد الربوبــية: هو إفراد الله سبحانه وتعالى بأفعاله من: الخلق و الملك و التدبير ، فلا شريك لله في الخلق ولا في الملك ولا في التدبير، وهذا النوع أقر به الكفار فهم يعلمون إن للكون إله واحد يختص بتلك الأمور ، ورغم إقرارهم بذلك فلم يدخلهم في الإسلام ولا يعتبروا بذلك فقط مؤمنين ، قال تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله - لقمان:52.
توحيد الألوهــية: هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد من: العبادات كالصلاة والدعاء والذبح والنذر... فجميع تلك العبادات يجب أن تكون خالصة لله وحده لا يشرك معه أحد...فلا يذبح أحد للسيد البدوي مثلاً أو لمقام السيدة زينب أو غيرهم طلباً لقضاء الحوائج ، ولا أن يدعوا أحد الحسين أو البدوي أو غيرهم من دون الله أن يقضي حاجته كطلب الشفاء والنجاح وكشف الضر عنهم، فهذه جميعها أفعال شركية تخل بالتوحيد ، وهذا النوع من التوحيد هو دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم ، قال الله تعالى: وما يؤمِنُ أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (12) – يوسف ، قال المفسرون: أي يؤمنون بتوحيد الربوبية ويكفرون بتوحيد الألوهية.
توحيد الأسماء والصفات: هى إثبات اسماء الله تعالى كاسمه: السميع والعليم وإثبات صفاته كصفة: السمع والعلم من غير تحريف ولا تأويل* ولا تمثيل* ولا تكييف* ، قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) – الأعراف.
* من غير تحريف ولا تأويل: أي عدم تغيير معنى صفات الله عما نزلت به في القرآن مثل قول الله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (64) – المائدة ، فمن ظاهر الآيه: إن لله يدين حقيقيتين ، ويجب علينا الإقرار بذلك وليس علينا إثبات كيفية شكل يديه عز وجل ، ولا أن يقول البعض: المقصود بهما القوة...فهذا يُعد تأويل وتغيير عن ظاهر كلام الله سبحانه ولإن من تقول على الله بغير علم فهو حرام...فالله سبحانه أنزل القرآن بلسان عربي مبين : واضح المعاني وكذلك كلام رسولنا عليه الصلاة والسلام باللسان العربي.
* التمثيل: هو ذكر كيفية الصفة مقيدة بمماثل ، أن يقول أحد: يد الله مثل يد الإنسان ، فهذا تمثيل منزه عنه المولى سبحانه لقوله عز وجل: ليس كمثلِهِ شَىءٌ وهو السميع البصير(11) – الشورى.
* التكييف: هو ذكر كيفية الصفة غير مقيدة بمماثل ، أن يخيل إنسان ليد الله كيفية معينة لا مثيل لها في أيدي المخلوقين ، فلا يجوز هذا التخيل لأن العقل لا يمكنه إدراك كيفية صفات الله تعالى لقوله عز وجل: ولا يحيطون به علماً – طه:110.
ثالثاً: عبادة الله وحده لاشريك له
من حديث معاذ بن جبل –رضى الله عنه – قال: كُنْتُ رِدْفَ النبي - صلى الله عليه وسلم- على حِمار – أى كان معاذ بن جبل يركب خلف النبي على ظهر حمار واحد – فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: يا معاذ ، تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ فقال معاذ: الله ورسوله أعلم ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً ، وحق العباد على الله عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ، فقال معاذ: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال النبي: لا تــُبشِّرهُم فَـيَــتَّــكِلوا- رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية: أن معاذ أخبر بالحديث عند موته تأثماً - أى: خوفاً من وقوعه في الإثم لكتمانه العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ولهذا خلقنا الله وخلق الجنة والنار ، ولأجل ذلك أرسل الله الرسل بالكتب السماوية - على رأسهم حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم - لدعوة الخلق إلى عبادة الله الواحد الأحد ، فالقرآن كله يتحدث عن قضية الإيمان بالله من طاعة الله وامتثال أوامره واجتناب نهيه والوقوف على حدوده ، والقرآن الكريم هو أعظم منهج للتعريف بالله ، وكما أخبرنا رب العزة سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ - 56:الذاريات .
رابعاً: طـــاعة أوامر الله
إخوتي في الله...بالله عليكم ألا يستحق الله وحده طاعته؟ فمن نطيع؟ لماذا ننسى الله عند ارتكاب المعاصي؟ مع أن طاعة الله يسيرة وتُقربنا إليه وقد تكون سبب لدخولنا الجنة إن شاء الله ، و سبحان الله في كل طاعة نعملها نشعر براحة نفسية واطمئنان بينما إذا هم العبد بفعل المعصية فمن الممكن أنه قد لا يشعر بالندم أثناء فعله المعصية لكن بعد ارتكابه للإثم يشعر بندم وخزي ، صدقوني كل عاصي بيندم في نفسه ويكون حزين جداً لفعله الحرام لكن كبرياؤه بيمنعه من التوبة السريعة والعودة إلى الله وقد يخجل من أن يعترف بذنبه وهو جاهل إنه لو استغفر الله لوجد الله تواباً رحيماً.
لو تأمل كل واحد فينا نفسه لوجد نعم الله عليه لاتحصى من : نعمة البصر ، والسمع والكلام والتنفس والصحة والكون كله مسخر للإنسان...ولن تشعر بقيمة نعم الله عليك إلا لو رأيت بعينك شخص مفتقد إحدى النعم أو أن تفقدها أنت نسأل الله العافية...أفلا يستحق منعم النعم التي لا تعد ولا تحصى أن نعبده وحده ونطيعه ولا نعصيه؟!! فعجباً قد يطيع المرء مديره أو حبيبه أو صديقه...فلم لا يُطيع خالقهم سبحانه وتعالى؟
إن الله تعالى هو الذي خلقنا ويعلم ضعف نفوسنا لذلك أباح لنا أشياء وحرم أخرى خوفاً علينا من ضعف النفس وحبها لإتباع الشهوات والوقوع في المحظورات ، فمن رحمته إنه يمهل العاصي ، ويدله على طريق التوبة ، ويتقبل توبته إذا استغفره...سبحان الله ، فهو أرحم الراحمين قال تعالى: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً – 26-28: النساء
سبحان الله الغني عن العالمين ، فلا ينفعه إيماننا شيئاً ولن يضره عصياننا شيئاً ، فعن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال " يا عبادي ! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما . فلا تظالموا . يا عبادي ! كلكم ضال إلا من هديته . فاستهدوني أهدكم . يا عبادي ! كلكم جائع إلا من أطعمته . فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ! كلكم عار إلا من كسوته . فاستكسوني أكسكم . يا عبادي ! إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا . فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني . ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم . كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم . ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم . وإنسكم وجنكم . كانوا على أفجر قلب رجل واحد . ما نقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم . وإنسكم وجنكم . قاموا في صعيد واحد فسألوني . فأعطيت كل إنسان مسألته . ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم . ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيرا فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " . وفي رواية : " إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي . فلا تظالموا " . – رواه مسلم.
خامساً: شكرالله على نعمه
من العبادات التي يغفل عنها الكثير هى عبادة شكر الله على نعمه ، وقد يكون ذلك بشكرك لله مباشرة أو أن تشكر من قدم لك خدمة ، لإنه سخره الله لك لقضاء حوائجك فعن أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لا يشكر الناس لا يشكر الله – رواه الترمذي. إن الله تعالى يحب عبده الشكور الذي يَـذكر نعم الله عليه فيشكره عليها بلسانه وجوارحه وبكثرة الطاعات والتقرب لله فقال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ – 7:إبراهيم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عجبا لأمر المؤمن . إن أمره كله خير . وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر . فكان خيرا له . وإن أصابته ضراء صبر . فكان خيرا له – رواه مسلم.
سادساً: استخارة الله في كل أمور الدنيا
من حق على عباده بل ومن حسن الأدب مع الله أن نستخيره في كل عمل صالح مقبليين عليه مثل: الزواج – الوظيفة – شراء/بيع – سفر...وغيرهم ، لا تحقروا من أمر الأشياء فقد يقول بعضنا...معقول أسخير الله في سفر لرحلة مثلاً؟!! أيوة طبعا ومن أعلم بالله بالفائدة أو الضرر من هذه الرحلة التي أنت مقبل عليها، فكما قد يسأل الواحد منا أصدقائه أو أهله كثيراً قبل أن يهم في عمل شيء ما ، فإن الله خالقنا ومدبر أحوالنا فهو الأحق بالاستخارة فهو أعلمُنا وأقدرنُا ويعلم الغيب ويعلم ما لا نعلم ، قال سبحانه: وشاورهم في الأمرِ فإذا عزمت فتوكل على الله – 159:آل عمران ، وبالاستخارة إذا كان الأمر الذي تريده فيه خيراً لك فإن الله سوف ييسيره لك وإن كان فيه شراً لك فإن الله سوف يصرفه عنك ، وهذا لا يتعارض مع التسليم بالقضاء والقدر ، فقد يستخير شخص الله في أمر ما ثم يهديه الله للأصلح وربما بعد الإقدام على الأصلح قد يواجهه مشكلة ما ، عندئذٍ فأعلم وتيقن إن هذا هو الخير نفسه وإن الله سوف يكشف عنك الكرب ولكن لا تقول ياريتني كنت فعلت كذا...أو تقول: إزاى يحصل كده وانا مصلي لله استخارة؟!!...كل ذلك من الشيطان يريد أن يبعدك عن تقوى الله ، لكن أثبت وقل قدر الله وما شاء فعل ، ولأننا بشر ونريد الكمال والتمام في كل الأمور بدون تعب أو مشاكل تنغص علينا فرحتنا...أخوتي إحنا في الدنيا يعني أرض البلاء والإبتلاء وقولوا لأنفوسكم: إن شاء الله في الجنة لن نجد هذا الكد والتعب.
صيغة صلاة الاستخارة
قال جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمُنا الاستخارة في الأمور كلها كما يُعلِّمُنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعِلمكَ، وأستقدرك بقدرتك، وأسألم من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسمي حاجته- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجِـلِهِ وآجِـلِه- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمرشرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجِـلِهِ وآجِـلِه – فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به.
استعنت في تحضير المادة من: ماذا تعرف عن الله – لفضيلة الشيخ: أبي ذر القلموني.
إن أعظم الحقوق على المسلم هو حق الله على العباد لغفلة كثير من المسلمين عن معرفة ما يتصل بذات ربهم العلي العظيم ، بما فيهم العامة (أشباه المتعلمين والجهلة) والخاصة (الجامعيين – متوسطي التعليم) لدرجة أن قد يصادفك شخص يقول لك الله في قلبي وآخر يقول الله في كل مكان...!!! فلا يجوز ذكر اسم الله في الخلاء(المرحاض) فكيف يكون في كل مكان؟!! هذا سوء أدب مع الله والعياذ بالله ، و سبحان الله لمن يقول هذا الباطل فحقاً كما قال ربنا: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ – الروم: 7 .
فقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيه: أكثر الناس ليس لهم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها ، فهم حُذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها ، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة ، كأن أحدهم مُغَفّل لا ذهن له ولا فكرة. ونسى هؤلاء أن الله تعالى قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى- طه: 5 ، أي: ارتفع عليه وعلا وهو استواء حقيقي معناه: العلو والإستقرار على وجه يليق بالله سبحانه وتعالى ، قال الإمام مالك: الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة.
اولاً: معـــرفة الله
أنواع معرفة العبد لربه:
المعرفة العامة: هى الإقرار بالله والتصديق والإيمان به سبحانه ، وهذه عامة للمؤمنين.
المعرفة الخاصة: هى ميل القلب إلى الله بالكلية والإنقطاع إليه والأنس به ، والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له.
المعرفة العملية: هى معرفة ذاته سبحانه وتعالى عن طريق أسمائه وصفاته.
إن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه كثيراً في القرآن الكريم ، والأدلة القرآنية موجودة في القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره ، وإليكم بعضها:
- هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون – 22-23: الحشر
- هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم – 24: الحشر
- قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كُــفُــواً أحد – الإخلاص
- الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنةٌ ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم و لايحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئودُهُ حِفظهما وهو العلي العظيم – 255: البقرة
أما من الأدلة النبوية الشريفة عن وصف الله سبحانه وتعالى:
من حديث أبي موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يَخفِض القِسط ويرفعه ، يُرفعُ إليه عملُ الليل قبل عمل النهار ، وعملُ النهار قبل عمل الليل ، حِـجَـابُهُ النورُ – رواه مسلم.
ثانياً: توحــيد الله
أولاً يجب أن تعرف وتؤمن بإنه لا إله إلا الله وأيضاً يلزمك معرفة كيفية توحيد الله؟ ومعنى التوحيد؟...فهيا معاً نتعرف على التوحيد بيسر إن شاء الله...اللهم حببنا في كل عمل يقربنا إليك...آمييين
ينقسم توحيد الله عز وجل إلى ثلاثة أقسام:
توحيد الربوبــية: هو إفراد الله سبحانه وتعالى بأفعاله من: الخلق و الملك و التدبير ، فلا شريك لله في الخلق ولا في الملك ولا في التدبير، وهذا النوع أقر به الكفار فهم يعلمون إن للكون إله واحد يختص بتلك الأمور ، ورغم إقرارهم بذلك فلم يدخلهم في الإسلام ولا يعتبروا بذلك فقط مؤمنين ، قال تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله - لقمان:52.
توحيد الألوهــية: هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد من: العبادات كالصلاة والدعاء والذبح والنذر... فجميع تلك العبادات يجب أن تكون خالصة لله وحده لا يشرك معه أحد...فلا يذبح أحد للسيد البدوي مثلاً أو لمقام السيدة زينب أو غيرهم طلباً لقضاء الحوائج ، ولا أن يدعوا أحد الحسين أو البدوي أو غيرهم من دون الله أن يقضي حاجته كطلب الشفاء والنجاح وكشف الضر عنهم، فهذه جميعها أفعال شركية تخل بالتوحيد ، وهذا النوع من التوحيد هو دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم ، قال الله تعالى: وما يؤمِنُ أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (12) – يوسف ، قال المفسرون: أي يؤمنون بتوحيد الربوبية ويكفرون بتوحيد الألوهية.
توحيد الأسماء والصفات: هى إثبات اسماء الله تعالى كاسمه: السميع والعليم وإثبات صفاته كصفة: السمع والعلم من غير تحريف ولا تأويل* ولا تمثيل* ولا تكييف* ، قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) – الأعراف.
* من غير تحريف ولا تأويل: أي عدم تغيير معنى صفات الله عما نزلت به في القرآن مثل قول الله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (64) – المائدة ، فمن ظاهر الآيه: إن لله يدين حقيقيتين ، ويجب علينا الإقرار بذلك وليس علينا إثبات كيفية شكل يديه عز وجل ، ولا أن يقول البعض: المقصود بهما القوة...فهذا يُعد تأويل وتغيير عن ظاهر كلام الله سبحانه ولإن من تقول على الله بغير علم فهو حرام...فالله سبحانه أنزل القرآن بلسان عربي مبين : واضح المعاني وكذلك كلام رسولنا عليه الصلاة والسلام باللسان العربي.
* التمثيل: هو ذكر كيفية الصفة مقيدة بمماثل ، أن يقول أحد: يد الله مثل يد الإنسان ، فهذا تمثيل منزه عنه المولى سبحانه لقوله عز وجل: ليس كمثلِهِ شَىءٌ وهو السميع البصير(11) – الشورى.
* التكييف: هو ذكر كيفية الصفة غير مقيدة بمماثل ، أن يخيل إنسان ليد الله كيفية معينة لا مثيل لها في أيدي المخلوقين ، فلا يجوز هذا التخيل لأن العقل لا يمكنه إدراك كيفية صفات الله تعالى لقوله عز وجل: ولا يحيطون به علماً – طه:110.
ثالثاً: عبادة الله وحده لاشريك له
من حديث معاذ بن جبل –رضى الله عنه – قال: كُنْتُ رِدْفَ النبي - صلى الله عليه وسلم- على حِمار – أى كان معاذ بن جبل يركب خلف النبي على ظهر حمار واحد – فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: يا معاذ ، تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ فقال معاذ: الله ورسوله أعلم ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم-: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً ، وحق العباد على الله عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ، فقال معاذ: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال النبي: لا تــُبشِّرهُم فَـيَــتَّــكِلوا- رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية: أن معاذ أخبر بالحديث عند موته تأثماً - أى: خوفاً من وقوعه في الإثم لكتمانه العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ولهذا خلقنا الله وخلق الجنة والنار ، ولأجل ذلك أرسل الله الرسل بالكتب السماوية - على رأسهم حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم - لدعوة الخلق إلى عبادة الله الواحد الأحد ، فالقرآن كله يتحدث عن قضية الإيمان بالله من طاعة الله وامتثال أوامره واجتناب نهيه والوقوف على حدوده ، والقرآن الكريم هو أعظم منهج للتعريف بالله ، وكما أخبرنا رب العزة سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ - 56:الذاريات .
رابعاً: طـــاعة أوامر الله
إخوتي في الله...بالله عليكم ألا يستحق الله وحده طاعته؟ فمن نطيع؟ لماذا ننسى الله عند ارتكاب المعاصي؟ مع أن طاعة الله يسيرة وتُقربنا إليه وقد تكون سبب لدخولنا الجنة إن شاء الله ، و سبحان الله في كل طاعة نعملها نشعر براحة نفسية واطمئنان بينما إذا هم العبد بفعل المعصية فمن الممكن أنه قد لا يشعر بالندم أثناء فعله المعصية لكن بعد ارتكابه للإثم يشعر بندم وخزي ، صدقوني كل عاصي بيندم في نفسه ويكون حزين جداً لفعله الحرام لكن كبرياؤه بيمنعه من التوبة السريعة والعودة إلى الله وقد يخجل من أن يعترف بذنبه وهو جاهل إنه لو استغفر الله لوجد الله تواباً رحيماً.
لو تأمل كل واحد فينا نفسه لوجد نعم الله عليه لاتحصى من : نعمة البصر ، والسمع والكلام والتنفس والصحة والكون كله مسخر للإنسان...ولن تشعر بقيمة نعم الله عليك إلا لو رأيت بعينك شخص مفتقد إحدى النعم أو أن تفقدها أنت نسأل الله العافية...أفلا يستحق منعم النعم التي لا تعد ولا تحصى أن نعبده وحده ونطيعه ولا نعصيه؟!! فعجباً قد يطيع المرء مديره أو حبيبه أو صديقه...فلم لا يُطيع خالقهم سبحانه وتعالى؟
إن الله تعالى هو الذي خلقنا ويعلم ضعف نفوسنا لذلك أباح لنا أشياء وحرم أخرى خوفاً علينا من ضعف النفس وحبها لإتباع الشهوات والوقوع في المحظورات ، فمن رحمته إنه يمهل العاصي ، ويدله على طريق التوبة ، ويتقبل توبته إذا استغفره...سبحان الله ، فهو أرحم الراحمين قال تعالى: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً – 26-28: النساء
سبحان الله الغني عن العالمين ، فلا ينفعه إيماننا شيئاً ولن يضره عصياننا شيئاً ، فعن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال " يا عبادي ! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما . فلا تظالموا . يا عبادي ! كلكم ضال إلا من هديته . فاستهدوني أهدكم . يا عبادي ! كلكم جائع إلا من أطعمته . فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ! كلكم عار إلا من كسوته . فاستكسوني أكسكم . يا عبادي ! إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا . فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني . ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم . كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم . ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم . وإنسكم وجنكم . كانوا على أفجر قلب رجل واحد . ما نقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم . وإنسكم وجنكم . قاموا في صعيد واحد فسألوني . فأعطيت كل إنسان مسألته . ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم . ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيرا فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " . وفي رواية : " إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي . فلا تظالموا " . – رواه مسلم.
خامساً: شكرالله على نعمه
من العبادات التي يغفل عنها الكثير هى عبادة شكر الله على نعمه ، وقد يكون ذلك بشكرك لله مباشرة أو أن تشكر من قدم لك خدمة ، لإنه سخره الله لك لقضاء حوائجك فعن أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لا يشكر الناس لا يشكر الله – رواه الترمذي. إن الله تعالى يحب عبده الشكور الذي يَـذكر نعم الله عليه فيشكره عليها بلسانه وجوارحه وبكثرة الطاعات والتقرب لله فقال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ – 7:إبراهيم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عجبا لأمر المؤمن . إن أمره كله خير . وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر . فكان خيرا له . وإن أصابته ضراء صبر . فكان خيرا له – رواه مسلم.
سادساً: استخارة الله في كل أمور الدنيا
من حق على عباده بل ومن حسن الأدب مع الله أن نستخيره في كل عمل صالح مقبليين عليه مثل: الزواج – الوظيفة – شراء/بيع – سفر...وغيرهم ، لا تحقروا من أمر الأشياء فقد يقول بعضنا...معقول أسخير الله في سفر لرحلة مثلاً؟!! أيوة طبعا ومن أعلم بالله بالفائدة أو الضرر من هذه الرحلة التي أنت مقبل عليها، فكما قد يسأل الواحد منا أصدقائه أو أهله كثيراً قبل أن يهم في عمل شيء ما ، فإن الله خالقنا ومدبر أحوالنا فهو الأحق بالاستخارة فهو أعلمُنا وأقدرنُا ويعلم الغيب ويعلم ما لا نعلم ، قال سبحانه: وشاورهم في الأمرِ فإذا عزمت فتوكل على الله – 159:آل عمران ، وبالاستخارة إذا كان الأمر الذي تريده فيه خيراً لك فإن الله سوف ييسيره لك وإن كان فيه شراً لك فإن الله سوف يصرفه عنك ، وهذا لا يتعارض مع التسليم بالقضاء والقدر ، فقد يستخير شخص الله في أمر ما ثم يهديه الله للأصلح وربما بعد الإقدام على الأصلح قد يواجهه مشكلة ما ، عندئذٍ فأعلم وتيقن إن هذا هو الخير نفسه وإن الله سوف يكشف عنك الكرب ولكن لا تقول ياريتني كنت فعلت كذا...أو تقول: إزاى يحصل كده وانا مصلي لله استخارة؟!!...كل ذلك من الشيطان يريد أن يبعدك عن تقوى الله ، لكن أثبت وقل قدر الله وما شاء فعل ، ولأننا بشر ونريد الكمال والتمام في كل الأمور بدون تعب أو مشاكل تنغص علينا فرحتنا...أخوتي إحنا في الدنيا يعني أرض البلاء والإبتلاء وقولوا لأنفوسكم: إن شاء الله في الجنة لن نجد هذا الكد والتعب.
صيغة صلاة الاستخارة
قال جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمُنا الاستخارة في الأمور كلها كما يُعلِّمُنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعِلمكَ، وأستقدرك بقدرتك، وأسألم من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسمي حاجته- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجِـلِهِ وآجِـلِه- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمرشرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجِـلِهِ وآجِـلِه – فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به.
استعنت في تحضير المادة من: ماذا تعرف عن الله – لفضيلة الشيخ: أبي ذر القلموني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق